ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
183
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
فإنها تذكرة وتعيها أذن واعية ، ثم بالفهم فصّلوا فلو لا الإيهام ما كان الإبهام ، ولولا الإبهام ما احتيج إلى الإفهام ، فإن الفهم قوة لا تصرف لها إلا في المبهمات وغوامض الأمور ، ويحتاج صاحب الفهم إلى معرفة المواطن . ومع هذا لا يأمن من مكر اللّه ؛ لأن نشأة الإنسان تقبل الشهوات والغفلات والنسيان ، فما كل من أوتي العلم أوتي الفهم . قال تعالى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] قيل : هي الفهم « 1 » .
--> ( 1 ) قال سيدي ابن سبعين : والحكمة في اللغة : هي العلم والعدل ، كما رسمها سيدنا رضي اللّه عنه في الكلام على أنواع الحكمة ، وفي : « الرسالة الإصبعية » قال : إنها العلم والعدل ، وزاد : وضع الشيء في محله ، والحكمة في الشرع : هي السنّة لقوله تعالى : وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [ الأحزاب : 34 ] . والحكمة : الفهم عن اللّه ؛ لقوله تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 269 ] ؛ معناه الفهم عنه . وهذا ذكره سيدنا رضي اللّه عنه في رسالة : « الكلام على الحكمة » ، وفي : « الرسالة الفقيرية » ، وإذا نظرت معناها يرجع إلى اشتقاقها في اللغة ، فإن العلم والعدل : هو معقول السنّة والإيمان والعمل الصالح والعلم : هو الفهم عن اللّه فقوله : والاتصاف بالحكمة . أراد بذلك أن تظهر الحكمة على العبد وتستجيب في سيرته ، وتعلم من سريرته حتى يسمى بها حكيما ؛ لقوة ظهورها عليه بالعلم والعمل . وقوله رضي اللّه عنه : التي تفيد الصورة المتممة للسعيد . قيدها ودلّ ذلك على إن الحكمة من الأسماء المشتركة ، وإن منها ما يفيد الصورة المتممة ، ومنها دون ذلك ؛ ولذلك قيدها بقوله : التي تفيد الصورة المتممة ؛ فإنه قد يطلق الحكيم في العرف على الذي يدبر الأمراض الجسمانية ، وهو الطبيب الذي يحفظ صحة البدن ، ولا يفيد الصورة المذكورة ، لكن كان له من الحكمة اشتراك ، وهو العلم بأخلاط الجسم ، والخاص بمضاره ومنافعه . وكذلك الفيلسوف الإلهي هو الذي جمع أقسام الفلسفة الأربعة ؛ يطلق عليه حكيما ويسمى -